الجمعة، 4 سبتمبر 2009

الحلقة الثانية من قصة المنزل الزجاجى


الحلقة الثانية

قامت أميرة من نومها بفزع وهى تنظر إلى الباب بترقب ونظرات الرعب تملئ عينيها وتنهض وتقترب من الباب فى خطوات بطبئة قائلة بصوت مرتبك

مين؟؟؟

فتسمع صوت شاب مصرى اللهجة يجيبها من خلف الباب قائلاْ

أنا إيهاب يا آنسه أميرة أفتحى

فتعقد أميره حاجبيها فى دهشة مرددة

إيهاب ! ثم تسأله

إيهاب مين ؟ وعايز أيه ؟

فيجيبها قائلاْ

أنا إيهاب جارك دكتور محسن كان كلمنى عنك وقالى أنك هتوصلى النهاردة وحبيت أعرفك بنفسى لو كنت عايزه حاجه ...أنت غريبه وأكيد ماتعرفيش لسه حاجه هنا ...ياريت تفتحى علشان نقدر نكلم ونتعرف

فتنظر أميره إلى ساعة يدها لتجد الساعه الثانية عشر بعد منتصف الليل..فتطلق زفرة قصيرة وترد عليه بحده بعض الشئ قائلة

يا أستاذ إيهاب أظن بما أنك مصرى يعنى أكيد تعرف فى الأصول كويس وأعتقد ما يصحش أنك تخبط على بنت قاعده لوحدها فى وقت متأخر ذى ده ولا علشان فاكر أننا فى أمريكا يبقى خلاص ننسى الأصول.

فيفاجأ إيهاب بردها هذا فلا يحاول أن يدافع عن نفسه أو يجادلها بل كل مافعله هز رأسه فى لامبالاه وأنصرف متجهاْ نحو شقته المجاورة لشقتها دون أن يقول لها شئ

ظلت أميرة واقفة عند باب شقتها لدقائق قليلة تنتظر منه أى رد ولكن بعد أن طال
إنتظارها تأكدت من إنصرافه فأخذت نفساْ عميقاْ وعادت مرة أخرى إلى وسادتها التى صنعتها من ملابسها

وسلمت رأسها إليها تمنى نفسها بالنوم حتى لساعات قليلة قبل أن تستيقظ باكراْ لتبدأ رحلتها فى بلاد العم سام كما يطلقون على أمريكا.

فشلت محاولاتها المستميته للنوم على الرغم من إرهاقها وتعبها من رحلة السفر الطويلة ..... فهى لم تعتاد على المكان بعد.... كما أن خوفها وقلقها من المجهول ظل يسيطران على تفكيرها...

شعرت وكأن مطارق رهيبة تدق برأسها بلا هوادة.. حتى فوجئت بأن الساعه أصبحت السابعة صباحاْ
.
أخذت حماماْ ساخناْ وتمنت لو كانت أحضرت معها من مصر بعض من البن المفضل لها لتصنع لنفسها كوب كبير من القهوة ..كم تفتقده الآن .

قامت بفتح حقيبتها لتخرج منها الملابس التى سوف ترتديها ....فقد قامت قبل سفرها بشراء مجموعة من الملابس الأنيقه الغالية والتى كلفتها أكثر من نصف مدخراتها ..ولكن لا يهم فالأهم أن تظهر بمظهر لائق بطالبة دكتوراه .

ولكى تبدو بصورة طيبه ومشرفه للفتاة المصرية بالخارج ولا تعطى لأحد الفرصة للسخرية منها سواء من مظهرها أومن عملها ....وكأنها تحمل على عاتقها صورة الفتيات المصريات .... فهى سفيرة لهن ويجب أن تكون صورة مشرفة ونموذجية فى كل شئ ...هكذا كان تفكيرها
.
أختارت تايير كحلى طويل به بعض التطريزات على أطرافه على طراز النقوش الفرعونية .... فهى تعلم ولع الغرب جيداْ بكل ما يتعلق بالحضارة الفرعونية...

حملت حقيبة يدها ..وألقت بنظرة رضا أخيره على نفسها من مرآة الحمام ...تأكدت من غلق جميع نوافذ الشقة وأتجهت نحو الباب

تذكرت والدتها..كم تفتقدها الآن فقد كانت يومياْ قبل ذهابها للجامعة تقبل رأسها ويدها وهى بدورها تضع كفها على رأسها وتمررها على باقى جسدها وتتمتم بالرقية ثم تدعو لها بحرارة بالتوفيق وأن يحفظها الله من شر عين الناس وحقد قلوبهم.

أغلقت الباب خلفها جيداْ وأخذت نفساْ عميقاْ وتوكلت على الله لتبدأ رحلتها فى تجربتها الجديدة

وهى فى طريقها إلى الباب الخارجى للمجمع السكنى الذى تسكن فيه لاحظت شاب بدا لها من الوهلة الأولى أنه شاب أسبانى أو إيطالى فهو يحمل المزيج من الملامح الأوروبية والدم والهيئة العربية من العيون الخضراء و البشرة الخمرية الفاتحة والشعر الكستنائى اللون والقامة المتوسطة والجسد النحيل....

يقف عند مدخل المجمع مع فتاة ترتدى فانلة حماله تغطى بالكاد بطنها وشورت قصير من الجينز تبدو ملامحها من الشعر الذهبى القصير والبشرة البيضاء النقية والجسد النحيل والقامة القصيرة أنها فتاة أمريكية فى العشرينات من عمرها

..كان يداعب خصلات شعرها ويهمس فى أذنيها ببعض الكلمات وهى تطلق ضحكات عالية فى دلال ... ولكنه عندما رآها ظل يرمقها بنظرات متفحصة وكأنه يعرفها

...أندهشت أميرة من نظراته ولكنها تجاهلتها وأسرعت من خطواتها وهى تتجنب النظر إليه وهى تتسائل هل يعرفها هذا الشاب؟؟؟

قامت بجولة إستغرقت ساعات من مكتب لآخر لإنهاء إجراءات إنضمامها لمعمل الدكتور محسن والجامعة. وبعدها إتجهت إلى مكتبه حتى تتفق معه على خطوات سير العمل بينهما ولكنها لم تجده وأخبرتها سكرتيرته بأنه لن يأتى إلى المكتب إلا بعد الظهر

فأطلقت أميرة صيحة حيرة وهى تحدث نفسها متسائلة

ماذا أفعل الآن؟

حتى سمعت صوت يحدثها من الخلف ويقطع عليها تفكيرها متسائلاْ

آنسه أميرة ؟؟

فألتفتت أميره لتواجه شاب يبدو فى نهاية الثلاثين من عمره طويل القامة قوى البنيان
يحمل العديد من الملامح العربية الأصيلة من الشعر الأسود الداكن الكثيف الناعم والبشرة السمراء وشارب كثيف فوق شفتيه عينيه عسلية اللون و ممتلئ الجسد قليلاْ. تأملته للحظات وإبتسمت مؤكده

أيوه

فتتسع إبتسامته ويرحب بها قائلاْ

أنا أسامه فهمى بشتغل مع محسن وهكون زميلك فى المعمل طول فترة وجودك هنا بأمريكا

فترحب به أميرة وتشعر بداخلها براحه لوجود شاب مصرى آخر معها فى معمل الدكتور محسن

فساد الصمت بينهما للحظات قليلة ثم أبتسم أسامة وعرض عليها أن يصطحبها فى
جولة للجامعة والمعمل قائلاْ

تعالى معايا أفرجك على المعمل إللى هيكون فيه معظم شغلك وكمان تاخدى فكره عامه على المكان والجامعة وتتعرفى على بقية زمايلك

فتهز أميرة رأسها فى ترحاب قائلة

ياريت أكون شاكره ليك جداْ يا دكتور

فيهز أسامه رأسه ويعترض قائلاْ

هنا مافيش ألقاب أنا أسامة على طول من غير دكتور والكل كده هنا .أنا عارف أنك هتاخدى وقت لحد ماتقدرى تفهمى الوضع هنا ماشى أزاى... لأنه مختلف تماماْ عن الوضع فى مصر.

بس أكيد مش هيكون فى صعوبه فى فهمه بالعكس أنا واثق من أنك إن شاء الله هتكونى مبسوطه وهتقدرى تعملى شغل كويس

فتشعر أميرة بالراحة لأول مرة منذ وصولها فطريقة أسامه الودودة فى كلامه معها وترحابه بها بثت بداخلها إحساس بالأمان والطمأنينة ...فخففت من حدة توترها وقلقها
و أنها ليست وحدها وهى تستقبل عالمها الجديد بكل ما فيه من تغيرات وتحديات

على عكس تماماْ أسلوب وطريقة دكتور محسن معها عندما أستقبلها فى المطار والذى كان له دور كبير فى زيادة درجة توترها وقلقها
..

وأثناء جولتهما فى الجامعة يقدم لها أسامه بعض النصائح ويحدثها عن طريقة وأسلوب العمل والطريقة الأفضل للتعامل مع زملائها. وأميرة تنصت لكل كلمه يقولها بإهتمام وكأنها تسجلها فى ذاكرتها حتى تحفظها جيداْ ولا تنسى كلمة منها.....

ولكنها بعد مرور أكثر من ساعة يهاجمها التعب الذى بدا واضحاْ عليها

فينظر إليها أسامة متسائلاْ

مالك ؟ شكلك لسه مرهقة من السفر

فتبتسم أميرة إبتسامة خفيفة وتجيبه قائلة بصوت مرهق

فعلاْ وكمان ما أقدرتش أنام خالص وبقالى أكثر من ثلاث ساعات بلف من مكان للثانى علشان أخلص الأوراق وبصراحه أكثر الجذمه أصلها أول لابسه وماسكه على رجليه جامد وهاين عليه أقلعها

فيضحك أسامة قائلاْ

على فكره هنا تقدرى تقلعى جذمتك وتمشى حافيه ماحدش هيبص عليكى ولا هيهتم ..أنا ملاحظ أنك لابسه رسمى وأكيد أنت لاحظتى أن الكل لابس ملابس عاديه يعنى بنطلون جينز وتى شيرت....

لبس بسيط ومريح ماحدش هنا بيهتم بالمظاهر الأهم هو الشغل ..لو بتقدمى شغل كويس الكل هنا هيقدرك ...المقياس هو الشغل والألتزام..أما اللبس والمظهر فده آخر حاجه ممكن أن حد يهتم بيها...

ثم ينظر إليها متسائلاْ فى دعابة

هاه تحبى تقلعى جذمتك

فتهز أميرة رأسها فى نفى قائلة

لاه هستحمل مش للدرجادى.

فيبتسم أسامة ويقترح عليها قائلاْْ

تعالى نروح الكافتريا أعزمك على قهوة وبالمره ناكل حاجه ..أنت أكيد ما أكلتيش حاجه النهاردة

فأكدت له أميرة قائلة

أنا ما ذوقتش طعم الأكل من إمبارح وبصراحه أكل الطيارة عبارة عن عينات ..بس مش
عايزه أكلفك خلينا نمشيها نظام أمريكانى وكل واحد يدفع لنفسه أنا معايا فلوس

فيبتسم أسامه قائلاْ

المرادى خلينا نمشيها نظام مصرى وأعزمك وبعد كده نبقى نمشيها أمريكانى

وفى الكافتريا وأثناء تناولهما لكوب القهوة الأمريكية المضاف إليها كريمة الفانليا بعد أن تناولا وجبة خفيفة من البيتزا وسندوتش الهمبورجر
تنظر إليه أميرة متسائلة

صحيح يا أسامة أنت جيت أمريكا ليه ؟ وأمتى وأشتغلت فى مصر ولا لأه؟

فيضحك أسامه لدقائق لدرجة أثارت دهشة أميرة وهى تنظر له متسائلة بصمت لماذا يضحك فهى لم تسأله عن شئ يدعو إلى الضحك هكذا؟؟؟

فينظر إليها ويعتذر ويجيبها قائلاْ

قصتى أصلها قصه عجيبه قوى وأعذرينى كل مابفتكرها بيصيبنى نوبه هيستيرية من الضحك ..تصدقى لسه بضحك مع أن مر عليها أكثر من خمستاشر سنه

فيزداد فضول أميره وهى تنتظر منه أن يحكى لها

فيكف أسامه عن الضحك وينظر إليها قائلاْ

أنا ياستى خريج كلية الطب البيطرى جامعة المنوفيه. أتعينت أول ما أتخرجت فى وحدة صحيه تابعه لمركز بالمنوفيه واترفدت بعد التعين بست أيام بس

فتعقد أميرة حاجبيها فى دهشة مرددة

ست أيام !

فيهز أسامه رأسه مؤكداْ أيوه ست أيام

فتسأله أميرة بإستغراب

ليه؟

فيعود أسامه بظهره للوراء ويأخذ نفساْ عميقاْ ويجيبها قائلاْ

ليه دى بقى هى سبب ضحكى..كل الموضوع إن جالى فى الوحده واحد فلاح معزته عيانه فعالجتها علشان كده أترفدت

فتعقد أميره حاجبيها فى دهشة قائلة

علشان عالجتها أترفدت!

فيضحك أسامه ويكمل قائلاْ

المدير بعد ثلاث أيام أستدعانى لمكتبه وقالى أزاى يا دكتور تصرف ألفين جنيه ونص على علاج معزه

فجاوبته ببساطه لأن المعزه كانت عيانه وأنا عالجتها والحمد لله أتعالجت وعاشت

فشخط فيه بغيظ وقالى تصرف الفين جنيه ونص علشان تعالج معزه ماكانوا دبحوها

طبعا بصيتله بدهشه ورديت عليه

أعتقد أنى متخرج من كلية الطب البيطرى علشان أعالج الحيوانات مش علشان كل مايجيلى حيوان تعبان أقول لصاحبه أدبحه علشان نوفر فلوس علاجه وإلا يبقى يلغوا كلية الطب البيطرى أفضل ويقفلوا الوحده .

فبصلى وقالى بسخريه

وأستفدنا إن شاء الله أيه من علاجها

فجاوبته

أستفدنا أن المعزه عاشت

المهم بعد جدال طويل فى الآخر خيرنى إما أدفع الالفين جنيه ونص إللى أتصرفوا على علاج المعزه إما أترفد

وطبعاْ أترفدت

فتهز أميره رأسها قائلة دون أن يبدو عليها إن كانت متعاطفة معه أم لا

الحقيقه هى قصه غريبه فعلاْ

فينظر أسامه إلى ساعة يده ثم يبتسم وينظر إليها قائلاْ

أعتقد محسن زمانه فى مكتبه دلوقتى لو عايزه تقابليه

فتطلق تنهيده تنم عن تعبها وتحمل حقيبة يدها وتنهض قائلة

لاه أنا بجد ميته من التعب ومحتاجه أرتاح بكره إن شاء الله هقابله

وبينما كانت أميره فى طريقها إلى المجمع السكنى الذى تسكن فيه فوجئت بنفس الشاب التى رأته فى الصباح يقف فى نفس المكان ولكن فى هذه المرة معه سيده تبدو فى نهاية الأربعينات من عمرها

..يهمس فى أذنيها وهى تقوم بمداعبة خصلات شعره وتطلق ضحكات صاخبة عالية... وما أن يلمح أميره حتى يبتعد قليلاْ عن تلك السيده ويرمقها بنظراته المتفحصة دون أن يكون على وجهه أى تعبير...


ولكنها تتجاهله وتسرع من خطواتها وتتجه نحو شقتها وتدخلها مسرعة وتغلق الباب خلفها جيداْ وهى تتساءل ترى من هذا الشاب ولما يحدق بها هكذا كلما يراها؟؟؟؟

بعد يوم شاق ومرهق من العمل والمناهدة مع عملاء البنك تعود رجاء إلى منزلها وهى تحلم بفراشها لتسلم جسدها إليه وتستمتع بالراحة والهدوء.

وما أن تخطو بقدميها داخل شقتها تجد والدتها تجلس على مقعدها المفضل بجوار النافذه وفى يدها أبرتين تريكو وبكرة من الصوف تشغل نفسها بعمل بلوفر جديد
.
و جدتها تجلس أمام التلفاز فى غرفة المعيشة ....ووالدها كعادته يحبس نفسه داخل مكتبه يكتب فى أبحاثه وعمر لا يزال فى عمله وهانى لم يستيقظ من نومه بعد فقد عاد إلى المنزل السادسة صباحاْ بعد أن أنتهى من سهرته مع أصدقائه ولن يستيقظ إلا على المغرب ليستعد لسهرة جديده كما يحدث كل ليلة
.
فتقبل رأس والدتها وجدتها وتلقى بجسدها المرهق على الأريكة صائحة

أنا ميته من الجوع هناكل أمتى يا ماما

فتجيبها فريده والدتها قائلة

الأكل جاهز غيرى هدومك والأكل هيكون على السفره وتنهض وتتجه نحو المطبخ لتحضر لها الغذاء

فتقترب رجاء من جدتها وتجلس بجوارها وتطوقها بذراعيها هى تداعبها قائلة

وأنت يا تيته بتتفرجى على أيه بإهتمام قوى كده؟

فتجيبها وعينيها على شاشة التلفاز تجلس بمقربة منه حتى تستطيع السمع جيداْ تتابعه بإهتمام وكأنها تخشى أن يفوتها كلمة قائلة

بتفرج على المسلسل بس أنا مش فاهمه يسرا هنا مجوزه من مصطفى فهمى مع أنها فى القناة الأولى فى المسلسل الثانى مجوزه من واحد ثانى خالص ..هى مجوزه اثنين ازاى ؟

فتضحك رجاء وهى ترد عليها قائلة

ياتيته منا كل مره أقولك أن كل ده تمثيل ومش حقيقى وأنت ترجعى تنسى وتصدقى أنه حقيقى

فتظهر علامات الدهشة على وجهها قائلة

يا سلام يعنى كل ده تمثيل وهى مش مجوزه من مصطفى فهمى ولا العيال دول عيالها !!

فتهز رجاء رأسها وهى تضحك قائلة

أيوه يا تيته كل ده مجرد تمثيل

فتهز رأسها وعلامات الأستغراب ترتسم على وجهها قائلة

يا سلام يا ولاد عيشنا وشوفنا والله عجيبه ثم تعود وتتابع المسلسل بإهتمام مرة أخرى ثم تعود وتتسائل

أزاى الرجل ده هنا.... دا لسه ميت إمبارح فى المسلسل الثانى ؟؟؟

فتصيح رجاء قائلة

لاه مافيش فايده أنا أقوم أغير هدومى أحسن

وتدخل غرفتها وتلقى بجسدها المرهق على فراشها وتستريح قليلاْ ثم فجأة تعتدل فى جلستها وكأنها تذكرت شيئاْ هاما كادت أن تنساه.

فتفتح حقيبة يدها لتخرج منها رواية حاتم منصور الجديده وتحتضنها بين يديها وتضمها إلى صدرها وكأنها تحتضن كنز ثمين ثم تنهض وتتجه نحو مكتبتها وتضع الرواية على إحدى رفوفها بجوار باقى الروايات التى تقتنيها وهى تحدثها قائلة

خليكى هنا مؤقتاْ بين زمايلك لحد ما أتغذا وأسهر عليكى منا مش هقدر يجيلى نوم إلا لما أقرأ كل سطر وكل كلمه مكتوبه فى الروايه .

كانت رجاء تجد سلوتها وسعادتها فى قراءة الروايات و الأشعار الرومانسية..متعتها عندما تعيش دور البطله تتألم لآلامها وتسعد لسعادتها .. تعيش كل كلمة وكل سطر يسطر به الكاتب فى روايته

... تمنى نفسها بأنها قد تعيش يوماْ قصة كهذه القصص ...قد تجد هذا الحب الذى طالما حلمت به وعاشت تتمناه ..ولكن كان أملها يموت كل يوم أمام عينيها عندما كان يمر دون أن تلقاه ...فهربت من نار واقعها إلى جنة خيالها...

تحتوى مكتبتها العشرات والعشرات من الروايات الرومانسيه لمختلف الكتاب والأدباء العالميين والعرب وعلى رأسهم معظم روايات يوسف السباعى ويوسف إدريس وغيرهم من عمالقة كتاب الرومانسيه وحاتم منصور من الكتاب المعاصريين

..كانت تعشق أسلوبه ووصفه للأحاسيس والمشاعر ... تجد نفسها فى كل كلمه تنطق بها بطلاته وكأنه يكتب عنها ولذلك كانت تحرص دوماْ على شراء رواياته ومتابعة جميع أعماله منذ أول رواية كتبها حتى آخر رواية ...

ثم تعود مرة أخرى لتلقى بجسدها على فراشها وهى تتسائل

ترى هل سيكتب لها القدر أن تعيش يوماْ قصة حب حقيقيه فى عالم الواقع ..أم سيكون الخيال دوماْ هو ملاذها من جفاء وقسوة واقعها عليها؟؟؟

الجمعة، 28 أغسطس 2009

الحلقة الاولى من قصة المنزل الزجاجى


المنزل الزجاجى

الحلقة الاولى

كلما أنظر إلى وجه والدتى الشاحب وجسدها الهذيل وعينيها ذات النظرة المنكسرة الحزينة والتى لا تفارقها حتى وهى تضحك... أشعر بالسخط على هذا الرجل الذى تزوجت منه بعد وفاة أبى .

فهو من قتل بداخلها إحساسها بالحياة فتجمدت مشاعرها وصارت جسداْ يحيا بلا روح. .... بل صارت كالتمثال البارد تتسرب من بين يديها أيام عمرها دون أن تشعر بها أو تتذوق أى طعم للسعادة فيها
.
كانت والدتى فى شبابها إمرأة جميلة لم يختلف أثنين على جمالها فقد ورثت عن والدتها البشرة الخمرية النقية وعينيها الخضراوتان كخضرة أوراق الشجر بعد هطول المطر وشعرها الأسود الناعم الطويل كلون سماء ليلة حالكة السواد .

وورثت عن أبيها طيبته وحسن خلقه وإبتسامته المشرقة والمقبلة على الحياة . تهافت عليها الخطاب من مختلف المناطق القريبة والبعيدة لمنزل أسرتها بمنطقة المنيل بالقاهرة ولكنها أختارت أبى الذى كان أول شاب يرتاح له قلبها الطيب وترضى به زوجاْ لها
.
وتم الزفاف سريعاْ وهى لم تكمل عامها التاسع عشر بعد وأنجبت منه أخى الأكبر( إيهاب) وبعدها بعام جئت أنا إلى الدنيا(عمر)

ولكن للأسف توفى أبى فجأة بعد مولدى بأيام قليلة فى حادث سيارة أليم ليترك أمى أرملة جميلة فى ريعان شبابها تحمل على كتفها طفلين صغيرين لا حول لهما ولا قوة .

ورثت عنه ثروة لا بأس بها بخلاف ماورثته عن أبيها من أملاك جعلت منها مطمع للكثير من الرجال .فزاد عدد خطابها ولكنها لم توافق على الأرتباط إلا بهذا الرجل ( رأفت) .

كان صديقاْ حميماْ لأبى... شاب من أسرة فقيرة ريفية جاء إلى القاهرة ليكمل تعليمه الجامعى.... أستطاع فى سن صغيرة أن ينهى دراسته الجامعية بتفوق و تم تعينه معيدا بكلية العلوم.

كان رأفت الشخص الوحيد الذى يسمح له أبى بدخول منزلنا لأنه كان يعلم بأنه سيصون حرمة بيته فهو لم يكن يهتم بشئ فى الدنيا إلا بالعلم فقط وليس له فى النساء على عكس بقية أصدقائه
.
بعد وفاة أبى ظل يتردد رأفت على منزلنا ليلبى طلبات أمى ويرعى شئونها وشيئاْ فشيئاْ أعتادت على وجوده بحياتها ووافقت على الأرتباط به عندما عرض عليها الأمر.......ليقينها بأنها فى حاجه لوجود رجل بجانبها يعينها على تربية ابنائها الذكور ويحميها من طمع الرجال فيها.

ومن هنا تبدلت حياة أمى وحياتنا معها وأولادها منه من بعد. فقد أستطاع أن يقنع والدتى بأن تكتب ثروتها وكل ماتملك باسمه حتى يشعر برجولته داخل المنزل وأنه ليس ( زوج الست) كما يقال...... فهو رجل ريفى لن يقبل ذلك على كرامته وسيشعر دوماْ بأنه منكسر أمامها .

ولم تعترض والدتى طيبة القلب على ذلك ظناْ منها بأنه لا فرق بينها وبينه طالما صار زوجها وهو من سيرعى شئونها .

و بعد أن تحقق له ما أراد تبدلت شخصيته تماماْ لتظهر الجوانب الخفية التى لم تراها والدتى المسكينه فيه من قبل ... .. من قسوة القلب والبخل والأنانية والتسلط وعدم السماع لأى رأي مخالف لرأيه وكأنه الحاكم بأمره الذى يعلم كل شئ ....

فلم يكن يهتم بأحد فى الدنيا غير نفسه فقط . ..لم يهتم بمشاعر والدتى الرقيقة وبخل عليها بحنانه ومشاعره إن كنت أشك أنه يملك مشاعر وأحاسيس مثل بقية البشر..!!!

كان يحبس نفسه بالساعات داخل جدران غرفة مكتبه ليكتب أبحاثه التى لا جدوى أو فائدة منها. بخلاف مرضه بداء العظمة... . والتى جعلته يرى نفسه بمنظور آخر مختلف عن بقية البشر .

وكانت من نتيجته أنه أهمل الأهتمام بشئون المنزل أو رعاية الأبناء. فهو يظن واهماْ أنه عالم كبير ويستحق مكانة كبيرة بين العلماء بل أنه يستحق الحصول على جائزة نوبل أو على الأقل جوائز الدولة التشجيعية ولكن كالعادة لا أحد يقدر العلماء كما دوماْ كان يقول
.....
ومرت الأعوام ووالدتى تذبل يوم عن الآخر وتكتم فى قلبها مستسلمة لهذا البرود العاطفى فهى مثلها مثل أى أنثى متعطشة لكلمة غزل .. ..كلمة تشعرها بأنها أنثى جميلة تملك قلب وعقل زوجها....ولكن لا فائدة فهباءاْ كانت تتساقط أمام عينيها أحلامها وأمانيها وتتحطم متناثرة فوق صخور الواقع الأليم ...

بجانب تحملها المسئولية وحدها فصارت مشاعرها كالصحراء الجرداء لا حس فيها ولا عاطفة.

وعندما كبر أخى إيهاب وأنهى تعليمة الثانوى بدأ يثور علي رأفت ويطالبه بحقه فى ثروة أبيه ...ولكنه قابل طلبه بثورة وقسوة حتى أنهال عليه بالضرب والسباب وأتهمه بأنه ناكر للجميل جاحد فهو من رباه وصرف عليه حتى أنهى تعليمه الثانوى....

فلم يحتمل إيهاب الإهانة وهاجر إلى أمريكا بعد أن قام رأفت بطرده من المنزل ولا نعلم عنه شيئاْ حتى الآن .

لم تحتمل والدتى صدمة رحيل أبنها الأكبر أول فرحتها ومرضت بعدها ووهن قلبها من الحزن عليه وعجزها عن فعل أى شئ له.

أما أنا فلم أكن أملك الجرأة مثل إيهاب للثورة والمطالبة بحقوقى بل أخترت طريق الصمت والإستسلام . فقد كنت أجبن من أن أثور كما أننى كنت أخشى غضبه حتى لا ألقى نفس مصير إيهاب ألا وهو الطرد.


لا أستطيع أن أنكر أننى كثيراْ أشعر بالغيرة من إيهاب لأنه كان قادراْ على الثورة والمطالبة بحقوقه ولم يخشى رأفت مثلى ..ولكن هذه هى طبيعتى ولا أستطيع أن أغيرها

فقدرى أن أنظر حولى وأتألم فى صمت دون أن أملك القدرة على الصراخ بصوت عالى ........ فصوت صراخى دوماْ مكتوم بداخلى لايسمع صداه أحد غيرى
.
أرى تلك الأوضاع الخاطئة التى يسير عليها منزلنا ولا أقدر على تغيرها ..رب أسرة لايعلم عن أسرته أى شئ لايهتم بها ولا بشئونها لايعرف فى الدنيا غير نفسه وراحته فقط ..لايعرف معنى أن تكون أب ومسئول... فقد أختار هو تلك المسئولية ولكنه لم يكن جديراْ بها.

وأم حزينة تعيش مستسلمة لواقعها.. صارت مجرد ذكريات وتاريخ يتحاكى عنه المقربين إليها ..أما الحاضر فهو لا يزيد عن صورة باهته لبقايا أمرأة تعانى كل أنواع المعاناة....

الأبن الأكبر لها (إيهاب ) هاجر إلى أمريكا هرباْ من تلك الأوضاع التى يرفضها وألقى بنفسه بين أحضان وطن آخروقطع أى صلة له بنا ......

وأنا (عمر) الشاب المتفرج على كل مايحدث حولى ولا أملك سوى أن أتألم فى صمت .

و ( رجاء ) الفتاة المسكينة التى قاربت على الثلاثين من عمرها ولم تجد فارس أحلامها بعد... حظها التعس أنها ورثت عن أبيها ملامح وجهه التى لا تملك أى ملامح جمالية وورثت عن أمها طيبة قلبها ومشاعرها الرقيقة ..فنفر الخطاب من قبح ملامحها ولم يدرك أحد عمق وجمال مشاعرها.


أما الأبن الأصغر ( هانى ) فشخصيته هى النتاج الطبيعى لأسرة مثل أسرتنا .. ومثله مثل الكثير من شباب جيله ..فهو شاب فاقد الهويه لا يعرف ماذا يريد ..يشعر بالسخط على أحوالنا ولكنه لا يعبأ بتغيرها .

.يتطلع إلى الثراء دون تفكير فى التعب أو بذل المجهود حتى يحقق مايريد... لا يصاحب إلا أبناء الأثرياء وهو الشخص الوحيد القادر على أن يجعل( رأفت) يلبى طلباته دون مناقشة ..

لأنه يعرف كيف ينافقه حتى يحصل على مايريد من أموال يصرفها على ملابسه الأنيقة والرحلات والسهر مع أصدقائه حتى لايشعر بأنه أقل منهم فى شئ .

والعضو الأخير بأسرتنا هى والدة رأفت تلك المرأة العجوز التى قارب عمرها على الثمانين عام ..تنتظر كل يوم الموت بشغف وكأنها ملت من الدنيا والحياة فيها..

.:.ففى كل صباح تستيقظ من نومها وتفتح النافذه وترفع رأسها إلى السماء صائحة:


يا ملك الموت أنا هنا ..ياترى هتيجى النهاردة علشان تاخدنى ولا هتخلف ميعادك ذى

كل يوم.. ..أنا مستنياك ماتغيبشى عنى ..الدنيا بقت وحشه قوى ماتستاهلشى أنى أعيش فيها أكثر من كده
.
وكانت كلما ترى جنازه تمر من أمام المنزل تصيح بصوت عالى قائلة:

هحصلك ياميت ماهو كلنا لها فى النهاية ..مهما طال العمر فى الآخر كلنا سايبينها

كانت أمرأه طيبة القلب على سجيتها لا تعرف من الدنيا الكثير ولكنها أيضا سليطة اللسان وكانت شديدة فى شبابها ..

فبعد زواج رأفت من والدتى فرض على أمى أن تقبل بإقامة والدته معنا فى المنزل ولم تستطع والدتى الأعتراض

ولكن والدته كانت دوماْ تفتعل الخلافات مع والدتى لأختلاف الطباع فهى إ مرأة ريفيه تعتاد على عادات الريف ومنها أن تلتزم زوجة الابن برعاية وخدمة والدته وأن تطيعها فى كل أمر ومن هنا بدأ الصراع بينهما .

ولكن والدتى كعادتها أستسلمت إليها فى النهاية فلم تكن تجد أى نتيجة من شكواها فرأفت كلما تكلمت معه فيما تفعله والدته معها كان ينهرها ولا يسمح لها بالأستمرار فى الحديث قائلاْ

دى أمى مهما عملت فيكى لازم غصب عنك تستحمليها

فأستسلمت أمى لواقعها وقررت أن تتعايش معها وصبرت على تسلطها و طلباتها الغريبة ..فلم أنسى عندما كنت أنا فى العاشرة من عمرى وكانت مدرستنا تقيم حفلة لتكريم أوائل المدرسة وكنت أنا من ضمنهم وكانت والدتى أنتهت من أرتداء ملابسها الأنيقة حتى تحضر الحفل معى وقبل أن نغادر الشقة

..فرضت عليها والدة رأفت أن تنظف لها البابور قبل أن تخرج لأنه مكتوم وهى تريد أن تصنع عليه القهوة فهى لا تقتنع بالبوتاجاز ولا تستخدم إلا البابور كما أعتادت فى الريف ......

لم أنسى نظرة والدتى إليها فى تلك اللحظة ولكنها أستسلمت ووضعت ملاية المطبخ على ملابسها الأنيقة حتى تنظف لها البابور كما تريد حتى تتقى شر ما ستسمعه منها من سباب إذا رفضت.

وهذا هو منزلنا...

فعندما تسكن فى منزل جداره زجاجية تلمع من الخارج مثل منزلنا ستشعر بما أقول...فمنزلنا منزل زجاجى يأوى أشخاص زجاجية هشة سهلة الكسر محاطه ببريق لامع قد يحسدنا الكثير ين عليه ولكنه فى حقيقته بريق زائف زجاجى لا قيمة له

ولكنه فى النهاية منزل مثله مثل أى منزل.... فما هو إلا بيت من بين البيوت....قد تجد مثله الكثير والكثير فى كل مجتمع وفى كل زمن.


بعد أن أنهت رجاء ساعات عملها فى البنك حملت حقيبة يدها وسلكت طريقها
اليومى للعودة إلى المنزل وأثناء سيرها لمحت محل لبيع فساتين الزفاف والسهرة ..

فتوقفت أمامه تتأمل فستان الزفاف الأبيض المعروض فى الفاترينة الأمامية للمحل وعينيها يسكنها نظرات أمل وحسرة ..وهى تتسائل هل سيأتى عليها اليوم الذى سترتدى فيه هذا الفستان وتزف إلى فارس أحلامها الذى طال أنتظارها له حتى تسلل اليأس إلى قلبها وأصبحت تخشى ألا يأتى أبداْ ؟؟

حتى لمحت فتاة داخل المحل تقيس إحدى فساتين الزفاف وحولها يلتف مجموعة من أصدقائها يشاركونها الرأى والمشورة

..فتأملتها رجاء فى صمت وهى ترى جسدها المتناسق ووجها الجميل ثم نظرت إلى صورتها المنعكسه على زجاج باترينة المحل لترى جسدها الممتلئ الغير متناسق وملامح وجهها التى تفتقر إلى أى ملامح جمالية...

فشعرت بإحباط وخيبة أمل وكأن صورتها تصرخ فى وجهها ......أنظرى إلى الفرق بينك وبينها

ولكنها لم تختار ملامحها ومن منا أختار ملامح وجهه وشكله ؟؟؟ لما يحاسبونها على شئ ليس بيدها ..فهى بالفعل تفتقر إلى جمال الوجه ولكنها تمتلك قلب يحب ويعشق وينبض ..لو وزع مابه من حنان على العالم أجمع لكفاه وفاض.....

فكل ماتحلم به هو أن تلتقى بهذا الرجل الذى سوف يشاركها حياتها لترويه حباْ وحناناْ ..تسعده وتجعل منه سيد على حياتها ..وفارس لقلبها ..هل تحلم بالمستحيل ؟؟؟

لم يحاسبونها على مالم يكن لها يد فيه ..فهى لازالت تتذكر كلمات إحدى خطابها عندما رآها عندهم فى المنزل وهمس لوالدته فى سخرية عندما رآها قائلاْ

هى دى خلقه الواحد يتصبح بيها على الصبح ..أنا عايز أجوز واحده جميله وبعدين دى تخينه قوى من دلوقتى أومال بعد الجواز هتبقى عامله أزاى ..أيه هتبقى خرتيت !

كم جرحتها كلماته القاسية وكم بكت بعدها ليالى وشهور وهى تشعر بالمهانة وما يزيد من عمق جرحها أنهم يعايرونها بشئ ليس لها يد فيه ...فهى أنثى مثل كل النساء تملك قلب وحس وشعور ولكن لا أحد يهتم ..لا أحد يهتم

فأخذت نفساْ عميقاْ وألقت بنظره أخيرة على الثوب الأبيض ...نظرة إنكسار وأمل محكوم عليه بالموت بيد البشر وأكملت طريقها فى سكون.


بعد أن أنتهى الكاتب الروائى( حاتم منصور ) من كتابة آخر سطر فى روايته الجديدة بمكتبه بالجريدة التى يعمل بها . قام بإستدعاء الحاجب وأعطاه الرواية وطلب منه أن يسلمها للمطبعة.

ثم عاد بظهره للوراء ليسند على ظهر المقعد الذى يجلس عليه و أخذ نفساْ عميقاْ وشعر بالأرتياح لأنتهاء الرواية ثم ألقى بنظرة طويلة على صورة الفتاة التى كان يضعها فى البرواز الزجاجى أمامه على سطح مكتبه ثم قام بسحبها منه وألقى عليها نظرة وداع أخيرة وقام بتمزيقها وألقى بها فى سلة المهملات.

ثم رفع سماعة الهاتف وتحدث مع سكرتيرته قائلاْ

لو آنسه إبتهال أتصلت فى أى وقت وطلبت أنها تكلمنى ..أبقى قوليلها أنى سافرت ..ومش عايزك توصليلى أى مكالمات منها أنت فاهمه....

دخل عليه المكتب صديقه الصحفى (يحيى ) وألقى عليه التحية بعد أن جلس فى المقعد المواجه إليه قائلاْ

لسه شايف عم عبده واخد أوراق الرواية الجديدة ونازل بيها المطبعه ..أيه نقول مبروك تمت بحمد الله

فيطلق حاتم تنهيدة راحة ويجيبه قائلاْ بنبرة سعيدة

أخيراْ قدرت أخلصها ..الحقيقه كانت رواية صعبه وكنت محتار جدا فى نهايتها ..وغيرتها أكثر من مرة ..بس أخيراْ خلصت.

فيبتسم يحيى ويهنئه قائلاْ


مبروك أعقبال الرواية الجديدة ..ثم يلقى بنظرة سريعة على البرواز ليجده خالى

فيرمق حاتم بنظرة ذات معنى قائلاْ

خلاص دورها أنتهى ورقدت صورتها بسلام بجوار صور الراحلات السابقات فى قبر المهملات.

ثم يستطرد فى دهشة قائلاْ

أنا بجد مش عارف أنت قلبك بيسيع كل الستات دول أزاى! ..والمشكله أصلاْ أنك مجوز ملكة جمال الكل بيحسدك عليها وبيكلم عن جمالها وأناقتها وأسمحلى معظم البنات أو الستات إللى بتعرفهم أقل منها بكثير فى جمالها وأناقتها.

فيومأ حاتم برأسه ويجيبه بثقة قائلاْ بلا تردد

التنوع شئ مهم جدا لإبداع الكاتب ..كل واحده من دول شخصيتها بتوحى ليه بفكرة جديده أكتب عنها وبرتبط بيها لحد ما أقدر أنتهى من الرواية وصدقنى أول ما أكتب كلمة النهاية بنسى على طول علاقتى بيها ولا كأنى كنت أعرفها
.
ثم يستطرد قائلاْ بثقة وكأنه مكتشف الذرة

أما بخصوص الجمال فمن تجاربى كل ماتكون المرأة جميله كل مايكون عطائها أقل ..عادة المرأه الجميله بتكون معتادة على محاولات الرجال لإرضائها وده بيديها نوع من الثقه والدلال ..

أما بقى المرأه إللى بتقل درجة جمالها بتحاول دايما تعوض النقص فى جمالها بحنيتها وأهتمامها ودلعها للرجل إللى بتحبه..على فكرة ده مش رأيى لوحدى ده رأيى كتاب كثير غيرى.

ثم يومأ برأسه ويستطرد قائلاْ

ما أقدرشى أنكر أن زوجتى جميله جدا بس عبارة عن تمثال بارد... لوحة جميله يبهرك جمالها بس ما تحسش بروحها..وهى كمان مش فى مخها غير صحباتها والنادى وأنى أجيبلها هدايا غاليه وخلاص..والعلاقه بينا ماشيه على كده ..وبينى وبينك أنا مبسوط جدا بالوضع ده .

فيبدو على يحيى أنه غير مقتنع بهذا الكلام فصمت قليلاْ وكست ملامحه سحابة هم وكأنه تذكر شئ أليم ثم نظر إلى حاتم قائلاْ بصوت هادئ مشوب بنبرات حزن

مش شرط أنا مثلاْ كانت خطيبتى أمل أجمل ست شوفتها فى حياتى وكانت أجمل
وأرق قلب عرفته فى حياتى

فينظر إليه حاتم بتأثر قائلاْ

ياه يايحيى لسه فاكرها ده مر على وفاتها أكثر من خمس سنين

فصمت يحيى قليلاْ وبدا عليه التأثر والألم وأجابه قائلاْ

لن يقدر على نزع حبها من قلبى إلا شئ واحد ..هو الموت.

فيحاول حاتم الكلام فى شئ آخر حتى يخرج يحيى من تلك الحالة فيصيح قائلاْ بدعابة

أنا بقى دلوقتى خالى حب ..أعمل أيه منا لازم أحب علشان أقدر أكتب رواية جديدة..ماتعرفليش واحده أحب فيها شويه وتكون ملهمتى
.
فيهز يحيى رأسه قائلاْ

مافيش فايدة فيك ..صدقنى آخرتك هتقع فى أيد واحده تعرفك أن الله حق

فيطلق حاتم ضحكة عالية ويرد عليه فى دعابة قائلاْ
ل
و هتخلينى أقدر أكتب رواية هايله أنا موافق.

فيهز يحيى رأسه قائلاْ

مافيش فايدة.


بعد أن أنهت ( أميرة) المعيدة بقسم البيولوجى بكلية العلوم بجامعة المنصورة أجراءات البعثة الخاصة بها ذهبت إلى رئيس القسم حتى تشكره وتسلم عليه قبل سفرها إلى أمريكا فى بعثة داخلية لمدة أربع سنوات لتحصل على درجة الدكتوراه من إحدى الجامعات المشهورة بولاية تكساس.

رحب بها رئيس القسم وتبادل معها الحديث عن الأستعدادات التى قامت بها من أجل السفرو قبل أن تغادر أميرة مكتبه صمت برهة جذب من خلالها نفساْ طويلاْ من سيجارته ثم ألقى عليها نظرة متفحصة وحدثها بلهجة ذات معنى قائلاْ

على فكرة يا أميرة فى دكاترة كثير طلبوا منى أنى مش أسمح ليكى بالبعثه علشان ده ما يأثرشى على بعثة ابنى بعد كده .

.أنت عارفه عادل ابنى اصغر منك بدفعتين وأنا طبعا هكون سعيد لو قدر ياخد البعثة الجديدة وممكن بالفعل بعثتك تكون عائق أن فى بعثه جديدة تيجى للقسم عندنا ..بس أنا رفضت أنى أسمع كلامهم ووافقت أنك تاخدى البعثة

فلم تملك أميرة غير أن تبتدى أمتنانها الشديد إليه وتشكره بشده على كرمه هذا وهى بداخلها تلعن هذا الوضع الذى صار عليه مجتمعنا فهو يطلب منها أن تشكره على السماح لها بحصولها على حق من حقوقها .

.فهى أنسب واحده فى القسم لهذه البعثة فهى الطالبة المتفوقة وصاحبة أعلى تقدير بين زملائها ولا يوجد من هو أحق منها بها .

وبعد أن غادرت مكتبه ألقت نظرة وداع أخيرة على الكلية وسلمت على الجميع حتى الفراشين مصحوبه بدعواتهم لها بالتوفيق

.وهى ينتابها شعور غريب لا تستطيع أن تحدده فهى فى قمة سعادتها وفى ذات الوقت تشعر بالرهبة والقلق .

.فأميرة فتاة من أسرة بسيطه والدها موظف فى مدرسة أبتدائى فى مركزبلقاس بمحافظة الدقهلية.

هو المسئول عن دفتر الحضور والأنصراف بالمدرسة ..كانت أقصى أمانيه أن يرى ابنته الوحيدة التى أنجبها بعد عشر سنوات من الزواج معلمة وتعمل مدرسة فى نفس المدرسة التى يعمل بها ولم يكن يحلم بأكثر من ذلك.

وبعد أن ألتحقت أميرة بكلية العلوم تعرفت على زميل لها كان ابن دكتور معروف بقسم البيولوجى وتوطدت العلاقة بينهما ولمح لها أكثر من مرة بأعجابه بها بل وبرغبته فى الأرتباط بها ولكنها فوجئت فى آخر العام بخطبته لأبنة رئيس القسم فى ذلك الوقت .

.لا تستطيع أن تنكر أنها شعرت بالمهانة وسائت حالتها النفسية فى تلك الفترة .. ولكنها عزمت أن تفعل كل مافى وسعها حتى تتفوق فى دراستها وتحصل على الدكتوراه وتصبح أستاذه فى الجامعة وذات شأن فى هذا المجتمع الذى لا يعترف بالبسطاء .

تمتلك أميرة ملامح رقيقة جذابه ..لم يكن جمالها من ذلك النوع الأخاذ الذى يبهر البصر ولكنها كانت بها رقة وعذوبة ترتاح إليهما النفس وأكثر مايميزها أبتسامتها المشرقة التى لاتفارق شفتيها مما جعلها من أكثر الشخصيات المحبوبة فى كل مكان تلتحق به ..حتى فى الجامعة فكل الدكاترة يحبونها ويقدرونها.


كانت سعادة والدها بخبر سفر ابنته للحصول على درجة الدكتوراه من أمريكا سعادة لا توصف وظل يتفاخر أمام كل من يراه بأبنته التى سوف تعود من أمريكا وهى دكتورة قد الدنيا
: وقال لها قبل السفر جملة ظلت تتردد فى أذنها أثناء رحلة الطيران

أميرة يا بنتى أنت مسافرة لوحدك بلد غريبه عننا فى عادتها وتقاليدها بس أنا مطمن عليكى وعارف أنك بميت رجل ..ومتأكد أنك هتصونى اسمنا وشرفنا ..والله لو كان ليه ولد وهو إللى مسافر كنت هكون قلقان عليه أكثر منك ..لأنى عارف بنتى أميرة كويس ومتأكد أنى الحمد لله ربتها صح.

أخذت أميرة نفساْ عميقاْ وتأملت منظر السحب التى تخترقها الطائرة قبل أن تهبط على أرض المطار..

.منظر جميل لم تكن تتخيل أنها ستراه يوماْ فى حياتها . فأقصى مكان سافرت إليه هو القاهرة عندما كانت تسافر لجمع البيانات أو لأنهاء أجراءات البعثة .. ولم تركب طائرة من قبل فى حياتها ..فكل مافى ذاكرتها عن الطاترات هو مشاهد أفلام أسماعيل ياسين وهو يركب الطائرة ..فأبتسمت وسلمت رأسها إلى مقعدها وهى تفكر فى المجهول الذى ينتظرها.

وهاهى الآن تهبط على أرض جديده عليها عالم جديد لا تعرف عنه شيئاْ ..كلما تفكر فى بعد المسافة بينها وبين بيتها فى مركز بلقاس تشعر بالرهبة والقلق وتتقلص عضلات بطنها ..

من أول الصعاب التى واجهتها هى اللغة فلم تكن تستطيع أن تميز كلامهم ..مع أنها قوية فى اللغة الأنجليزيه وكانت تعشقها ولكنها أكتشفت أنها غير قادرة على التواصل مع الناس وكأنهم يتحدثون بلغة لا تعرف عنها شيئاْ

هاجمتها رغبة ملحة فى البكاء وشعرت بأنها وحيدة فى عالم غريب عنها وكعادة الغريب ينتابه شعور بأن الكل يراقبه والنظرات تلاحقه ..حتى وجدت رجل يقترب منها

فى الخمسينات من عمره يبتسم مرحباْ بها قائلاْ

أنت أكيد آنسة أميرة


فشعرت أميرة بالراحة وكأنها غريق يواجه الموت وفجأة ظهر له قارب النجاة..أخيراْ حد بيكلم عربى وأبتسمت مؤكده

أيوه أنا وأكيد حضرتك دكتور محسن

فيهز رأسه فى إيجاب قائلاْ

حمد الله على السلامه ..ياترى كانت رحلة موفقه

فتبتسم اميرة وتطلق صيحة أرهاق قائلة

كانت مرهقة وطويله لدرجة أنى يئست ان ممكن يكون ليها نهاية
..
فينده محسن على عامل بالمطار حتى يدفع عربة الشنط عنها وينظر إليها قائلاْ

عربيتى راكنها أدام المطار يالا بينا علشان أوصلك للشقه إللى حجزتها ليكى أنا معايا المفتاح.

فتذهب معه اميره وفى السيارة يحدثها محسن دون أن ينظر إليها بلهجة جادة بدت لها عدائية بعض الشئ

طبعا أنا هكون المشرف الاساسى عليكى ..وعلشان نكون واضحين من البداية وفى اسس هنتفق عليها علشان ماحدش يتعب الثانى
.
فنظرت إليه أميره فى ترقب تنتظر ماذا سيقول

فأستطرد دكتور محسن كلامه وهو لا ينظر إليها

أنا بقالى فترة برفض أنى أشرف على مصريين أو أى حد عربى. لأن للأسف من تجربتى معاهم بيحصل مشاكل كثير لأن كل واحد بيفتكر علشان انا مصرى يبقى لازم أريحه ومش عايزنى أشغله كأنه جاى هنا علشان يتفسح ويعمل شوبنج وخلاص.

ولولا ان دكتور مهدى شكر ليه فيكى وقالى انك بتشتغلى ومجتهده ومالكيش فى الدلع ماكنتش قبلت خالص انى اشرف عليكى

وكعادة أميرة لم تظهر على ملامحها أى علامات ضيق من كلامه هذا ..بل أبتسمت وحاولت أن تطمأنه قائلة

إن شاء الله أكون عند حسن ظنك بيه ...وأنا طبعاْ جايه هنا علشان أشتغل بجد وأقدر أطلع شغل كويس .

فيمط محسن شفتيه قائلاْ

لما نشوف كلكم بتقولوا كده فى الأول

فتصمت أميرة ولا ترد عليه وتكتفى بالأبتسامة والصمت

وما أن تخطو أميرة بقدميها داخل شقتها الخالية من العفش إلا من بعض الأجهزه الأساسية فى كل شقة من البوتاجاز والثلاجة وغسالة الأطباق والأرضية مفروشة موكيت بالكامل.

تضع حقائبها وهى تتأملها ..شعرت بالوحشة تنتابها ...فهى لأول مرة فى حياتها تكون وحدها وتبيت بمفردها بعيدا عن أهلها .. غير أن طريقة دكتور محسن معها لم تروق لها وزادت من شعورها بالقلق والرهبة .

قامت بغلق الباب جيداْ والقت بجسدها المرهق على الأرض وقامت بأخراج مجموعة من ملابسها من حقيبتها وصنعت منهم وسادة صغيرة ووضعت رأسها عليهم وأستسلمت لموجة من البكاء.

حتى سمعت صوت طرقات على باب شقتها فقامت من نومها بفزع وهى تنظر إلى الباب بترقب ونظرات الرعب تملئ عينيها وتنهض وتقترب من الباب فى خطوات بطبئة

قائلة بصوت مرتبك

مين؟؟؟